حسن بن عبد الله السيرافي
214
شرح كتاب سيبويه
ومن ذلك حذف النّون الساكنة من الحروف التي بنيت على السكون ، نحو " من " و " لكن " وإنما تحذف لالتقاء الساكنين ، كما قال الشاعر : فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك * اسقني إن كان ماؤك ذا فضل " 1 " أراد : ولكن اسقني ، فلم يتّزن له . ومنه قول الأعشى : وكأنّ الخمر المدامة مل إس * فنط ممزوجة بماء زلال " 2 " ومثله كثير في الشعر ، وإنما ألقوها لالتقاء الساكنين ؛ لأن النون تشبه حروف المدّ واللّين ، وحروف المدّ واللين تحذف لاجتماع الساكنين ، ومع ذلك فإنهم يحذفون التنوين الذي هو علامة الصرف ، لاجتماع الساكنين وإن كان الاختيار فيه التحريك ، والتنوين نون ساكنة ، فشبّهوا هذه النون التي وصفنا بالتنوين ، غير أن حذف التنوين لالتقاء الساكنين جائز في الكلام وفي الشعر . فأما في الكلام : " فقد قريء : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ " 3 " . قال : وحدثني غير واحد من أصحابنا عن أبي العباس محمد بن يزيد أنه سمع عمارة ابن عقيل يقرأ : وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ " 4 " فقلت له : لو قلت سابق النهار ، فقال : لو قلت سابق النهار لكان أوزن ، يعني أثقل . قال أبو سعيد : حضرت أبا بكر بن دريد وقد أنشد أبياتا تنحل آدم ، وهي : تغيّرت البلاد ومن عليها * فوجه الأرض مغبرّ قبيح تغيّر كلّ ذي لون وطعم * وقلّ بشاشة الوّجه المليح " 5 " فقال أبو بكر : أول ما قال أقوى . فقلت له : إنشاد البيتين على وجه لا يكون إقواء ، وإنما هو : وقلّ بشاشة الوجه المليح ، على تقدير : وقلّ بشاشة الوجه المليح ، فطرح التنوين ، لالتقاء الساكنين ، ومعنى : قلّ بشاشة الوجه المليح ، كمعنى : وقلّ بشاشة الوجه
--> ( 1 ) البيت للنجاشي الحارسي في الخزانة 4 / 367 ، وبلا نسبة في اللسان ( لكن ) . ( 2 ) البيت في ديوانه 5 ، واللسان ( اسفنط ) . ( 3 ) سورة الإخلاص ، آية : 1 ، 2 . ( 4 ) سورة يس ، آية 40 . ( 5 ) البيتان منسوبان لآدم في تاريخ الطبري 1 / 145 .